محمد غازي عرابي
1123
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة المعارج بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 1 إلى 10 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ( 1 ) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ( 2 ) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ ( 3 ) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ( 5 ) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَراهُ قَرِيباً ( 7 ) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ( 8 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ( 9 ) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ( 10 ) [ المعارج : 1 ، 10 ] سبق أن تحدثنا عن اليوم الإلهي ، وفي الصوفية مصطلح ( الآن ) ، وتعريفه أنه جوهر الزمان وأصله وباطنه ، وهو الحضرة التي لا صبح فيها ولا مساء كما وصف النبي حضرة الرب ، وقال البسطامي الواصل مقام الجمع لما سئل كيف أصبحت : لا صبح عندي ولا مساء ، إنما الصباح والمساء لمن تقيده الصفة ، وأنا لا صفة لي ، وقال محمد إقبال : هذا الذي يشكو تبدل الأزمان ما تزال ذاته أسيرة في يد الصباحات والمساآت ففي مقام الجمع تصطلم الأجزاء ، ولا يبقى إلا الأحد ، الذات الصرفة التي كانت ولم يكن معها شيء ، وإلى هذا أشارت الآية الثامنة بأن السماء تكون كالمهل ، أي كالفضة السائلة ، وتكون الجبال كالعهن ، أي كالصوف خفة ، ولقد تحدثنا سابقا عن كون العالم المادي متألفا من ذرات ، والذرات من ذريرات ، والذريرات من كهارب ، والكهارب من موجات ضوئية ، فرد العالم كله إلى أشعة ضوئية لها أصل هو النور الإلهي الذي قال فيه الإمام الغزالي : المراد ليس النور الذي كالشعاع ، ولا النور الذي هو مادة ، ولا كنور البصر ، ولا نور الشمس ، ولا نور العقل ، ولا نور العلم ، وإنما هو النور الذي تظهر به الأشياء ، وتقوم به الأشياء ، وتعرف به الأشياء ، وهو نور لا يوصف بالكثافة والتجسيم ، وقد وصف اللّه تعالى ذلك بقوله : نُورٌ عَلى نُورٍ [ النور : 37 ] ، فالعالم وإن بدا متماسكا صلبا متحركا ذو صور ومظاهر ، إلا أنه في حقيقته نور على نور ، وهذا النور هو الواحد الأحد القديم بالإضافة إلى الزمان ، فاللّه قريب ، بل هو أقرب من القرب ، لأن معنى القرب يفيد وجود مسافة ما فاصلة بين شيئين ، واللّه أصل الأبعاد والأشياء . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 11 إلى 18 ] يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ( 11 ) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ( 13 ) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعى ( 18 ) [ المعارج : 11 ، 18 ] المشهد الربوبي الذي يراه البصر إذا صار حديدا بإذن اللّه هو من العظمة ، بل من الهول ،